• En
  • Fr /
  • Es /






  • أضيف في 18 غشت 2015 الساعة 13:56

    سعيد المفتاحي: اليوم اختلطت الأمور مع دخول العامل الاقتصادي في الإبداع وتقصير الإعلام


    بعد جيل الرواد الذين وافتهم المنية، يعتبر الفنان سعيد المفتاحي، ابن مدينة مكناس، واحدا من أبْرز ممثلي فنّ الملحون اليوم. ذلك أنه فضْلاً عن ترعرعه داخل مدرسة فصاحة النطق الملحونيّة، وإجادة الأداء، سعى المفتاحي إلى تطوير هذا الفنّ ليس كمنشدٍ تقليديٍّ فحسب، بل باعتباره باحثا في الملحون على مستوى عروضه وموضوعاته وأنغامه وإيقاعاته. في هذا الحوار، يكشف سعيد المفتاحي عن هذا البُعد التحليلي الواعي من خلال تعبيره عن رأيه في قضايا الملحون وعلاقته بالمرأة والتجديد والتطفّل والإهْمال، وذلكَ بجرأة ووضوح نادريْن.

     بداية، هل صحيح ما يُشاع بأنّ فنّ الملحون هو فنّ ذكوريّ بامتيازٍ، لا مكانَ فيه للمرأة سوى كموضوع للغزَلِ؟

     فنّ الملحون ليس فنا ذكوريا، بقدر ما هو فنّ مفتوح أمام كل من يجد نفسه قادرا على تقديم شيء فيه، فهو مرحب به. غير أننا نحن في المغرب نتوفر على نمطيْن غنائيين اثنين هما: العيطة والملحون. الملحون برز في منطقة تافيلالت، في منطقة الصحراء، وهو يحتاج إلى أصوات فيلالية. وبالتالي فإن الأصوات النسوية فيها أصوات فيلالية. ولتصحيح فكرة خاطئة في هذا الصدد، فإن المرأة لم تكن أبدا غائبة عن فن الملحون. هي موجودة كموضوع للملحون وكممارِسة له في الوقت ذاته. غير أن الإعلام المغربي لم يشرع في الاهتمام بها إلا في السنوات الأخيرة.

     هل هناك أسماء عُرفت بأدائها لفنّ الملحون، ومنذ متى؟

     المرأة وُجدتْ منذ العشرينيات، ونذكر زهرة الفاسية التي برزت في الخمسينيات من القرن الماضي. وللا زْهور بنت واحد من كبار الشعراء، والتي كانت بمثابة مرجع حتى بالنسبة للذكور، عندما يحتاجون إلى فتوى، فإنهم يتوجهون إليها، المرأة حاضرة وكانت تسمى "المعلّمة"، لكن إعلاميا لم يكنّ بارزات إلا في السنوات الأخيرة.
    وأعود إلى الفنّ الثاني هو العيطة. والملاحظ أنّ الرجل كانَ إذا رغب في أدائها، فإنه يجب أنْ يتخنّثَ، أن يتشبّه بالمرأة، بينما المرأة إذا أرادت أداء فنّ الملحون فإنه يجب عليها أن تتذكّر، أن تتشبّة بالرجل، أي ينبغي أن يكون الصوت مملوءا، أي فيلاليا. نذكر امرأة تفوّقت كثيرًا في أداء الملحون وهي لطيفة أمال. وما يزال لم يظهر صوت نسويّ آخر بقوة صوت لطيفة أمال. بطبيعة هناك أصوات حاولتْ وهناك أصوات أخرى أخفقت. والمرأة ليست مثل الرجل في اختيار الموضوعات، فلا يعقل أن تؤدّي المرأة أغنية "فاطْمة" مثلاً، موضوع الغزل بحجة أنّ المسألة تتعلق بالبلاغة، والحال أن ما يخرج من القلب يصل إلى القلب.. ثمّ إنّ هناك الغزل الذكوري وهو موجود بكثرة وعفيف وراقٍ. لأنه في هذه الحالة سيبدو فنّ الملحون وكأنه فنّ ضعيف. بينما هو ريبرتوارْ غنيّ ومتنوّع، لقد أدّى سيدي قدور العلمي قصيدة "المحبوب" وقصيدة "حنّ واشفقْ واعطفْ برضاك يا لمزيان"، وفيهما يتحدث عن المحبوب بصفة عامة لا عن المرأة، وبالتالي فهذه مقطوعات بإمكان المرأة أداءها بصورة طبيعية. وفن الملحون يعتبر فيه الإحساس والصدق في الأداء شيئا أساسيا بدونهما لا يمكن أن ننجح في أدائه على الوجه الأكمل.

     كيف كان الأمر في الماضي عند شيوخ هذا الفنّ؟

     صحيح كان في الماضي تشدّد من طرف بعض شيوخ الملحون الذين كان يعتبرون أنه فن ذكوري خالص، صوت المرأة صالح بالعكس، بل فيه إضافات لا يملكها الرجل، شريطة التشبع بالأداء والصوت الفيلالي ومخارج الحروف وعملية التنفس في عملية الغناء.


     هل التكوين ضروريّ في هذا المجال الذي يبدو أنه مرتبط بالموهبة أكثر؟

     بالتأكيد، بل يمكن القول بأن أسلافنا كانوا متقدّمين علينا. نحن نعيش اليوم في عصر التقنيات الحديثة للإعلام والاتصال، ومع ذلك نفتقد إلى التكوين، أي تكوين متطور يختلف عن "التكوين البلدي" الذي كانت تجسّده مدرسة اسمها "شيخ الأشياخ"، بحيث لا يمكن للمغني أن يجرؤ على الغناء إذا لم يأذن له شيْخ الأشياخ. اليوم هناك السّيبة في كلّ شيْء، إذ نلاحظ أنه يكفي أنْ تحفظ إحدى المغنيات أغنية واحدة مثل "ناكر الإحسان" أو "فاطمة" لتظهر بها على شاشة التلفزيون، بينما في السابق لم يكن يُؤْذَن للشّخص بالغناء إلا إذا حفظ على الأقلّ أربعين أغنية استوعبها وتمثلها.

     هل كانت هذه الظاهرة شمولية أم مقتصرة على مدينة مكناس فقط؟

     كانت كل مدينة مغربية تتوفر على مؤسسة شيخ الأشياخ ، كان هناك الحفّاظ، وكان الباحث، وكان الخزّان، كل واحد يعمل في مجاله وتخصّصه. اليوم الجميع يريد أن يقوم بكل شيء، وهذا غير ممكن. ففنّ الملحون ذاكرة وطنية كبيرة لا يمكن أن يعمل فيها شخص واحد، وإذا كنتَ "?رّاحْ" كما يقال، بمعنى منشداً أو مغنيّاً، فيجب أن تعمل في مجالك، والشيء نفسه يصدق على الباحث. بل وحتى على مستوى البحث هناك تفريعات تُحترم، بحيث أنّ هناك من يبحث في فن الملحون ككلّ، وهناك من يبحث في شاعر معيّن، وهناك من يتخصّص في البحث الاصطلاحي الخاص بهذا الفنّ، وبنية القصيدة، الخ. اليوم للأسف اختلطت الأمور مع دخول العامل الاقتصادي في الإبداع، وتقصير الإعلام في هذا الباب من حيث توعية المغاربة ولفت انتباههم إلى أن الملحون هو ديوان المغاربة، كما كان للعرب ديوانهم الشعري، وهو في مقدمة الفنون المغربية التي لعبت أدوارا طلائعية في الحركة الوطنيةّ. ففي قصيدة "دمليج حمان" لم يكن الشاعر أحمق حتى يتحدث عن دمليج في الشوارع، وهو يدور في أحياء مدينة فاس العتيقة، بل يرتبط بظاهرة استعمارية حيث مُنِعتْ المنشورات على رجال الحركة الوطنية، وكانت مثل هذه القصيدة تؤدى أمام جيش الاحتلال، ولكن الناس كانوا يفهمون الرسائل والرموز المتعلقة بالعمل الميداني في صفوف المقاومة. للأسف أيضا أن الأجانب باتوا يعرفون عن الملحون أكثر مما نعرف نحن. نعرف ثقافة المكسيك وتركيا ونجهل تراثنا الأصيل.

     هل يمكن القوْل بأنّ الملحون مهدّد ويعاني من منافسة شديدة اليوم أمام تنامي الأغنية العصرية بمختلف أنواعها؟

     الملحون واحد من الفنون المهددة في هذا الوطن، مهدد كذاكرة أوّلا، إذا عدتَ إلى أرشيف التلفزيون المغربي، فلا تجده يحتل مكانة لائقة في البرمجة الوطنيّة. أين هي العيطة الحقيقية ما نراه في التلفزيون عن العيطة هو مسخ باستثناء بعض الفنانين والباحثين وفي مقدّمتهم أولاد البوعزاوي والمرحوم بوحميد والباحث حسن نجمي. لا ينبغي أن نتعامل مع العيطة كفنّ "ديالْ القصارة"، فالعيطة ذات حمولة ثقافية وتاريخية هامة، وكذلك فنّ الملحون. أتمنى إعادة النظر في هذا، لأنه هو ما يميزنا. وقد حدثت لي واقعة مع باحث ألماني أراد زيارة المغرب، وطلب مني أفضل وسيلة للتعرف على بلادنا، فقلت له لا وسيلة أفضل من مشاهدة التلفزيون المغربي. لكن فوجئ عند متابعته للقناة المغربية بوجود أفلام مكسيكية وتركية وهندية مدبلجة، فاتصل بي ليخبرني بأنه لم يشاهد أيّ شيء له صلة بالثقافة المغربية، سواء في القناة الأولى أو الثانية. ومن ثمّ فإن التلفزيون الذي لا يستطيع تقديم ما يميزنا عن الأمم، ماذا نريد منه.

     هل الدولة مسؤولة وحدها عن هذا التقصير؟

     الجميع يتحمل المسؤولية: وزارة الثقافة، المعاهد الموسيقية التابعة للمجالس البلدية أو تلك التابعة لوزارة الثقافة، وسائل الإعلام، وحتى الفنانين الذين ينبغي أن يدركوا بأنّ فن الملحون ليس قرآنا، بل ينبغي البحث والتجديد والتطوير والابتعاد عن التحجّر، مع المحافظة على خصوصية القصيدة المغربيّة. كلنا مطالبون بإعادة النظر فيها قبل فوات الأوان.


     لاحظ المشاهد أنك خلال السهرة التي قدّمتها القناة الثانية في شهر رمضان أديت الملحون بتوزيع جديد ومجدِّد، هل نعتبر أنك منخرط بوعي في عملية إحياء هذا التراث الفنّي؟

     في سهرة القناة الثانية، وبعد غياب طويل، أديتُ قصيدة "الغْريب" بتوزيع جديد وموسيقى أخرى وتصور آخر. أنا مشاغب في إطار حظيرة الملحون. لا أدعي أنني شاعر ولا يمكن الكتابة أمام اساتذة كبار من طينة أستاذي أحمد سوهوم مثلا، ولكن الغربة خارج الوطن جعلتني أتناول موضوعات لم يعشها شاعر الملحون. كتبت عن الغربة وعن معاناة الجالية المغربية في الخارج، موضوعات أضيفت إلى الريبرتوار المغربي. نشتغل بإمكانيات خاصة، غياب وزارة الثقافة عن هذا المجال هو غياب واضح، غياب الدعم، هناك غياب للمسرح، والمهرجانات تتعامل مع الأجانب أكثر مما تتعامل مع المغاربة. رغم أننا معروفون خارج المغرب.

    مصطفى النحال- الاتحاد الاشتراكي


    تعليقاتكم



    شاهد أيضا
    الزروالي : أصبحنا نمارس التهريج باسم الكوميديا والبؤس باسم التراجيديا
    الوشم .. قرار مصيري ينتهي بفراق مؤلم!
    التدين الرمضاني مع الدكتور طيب كريبان
    أوميح : أريد أن أرى مغربيا فائزا هذه السنة في المسابقة النهائية الكبرى " the Anzisha prize "
    العالم الإفتراضي ومدى تأتيره على حياة الأسرة والطالب المغربي
    محمد الجم: هذه المسألة وصمة عار في تاريخ الثقافة المغربية والتمثيل بصفة خاصة
    خالد بناني: أعزف عن التصويت في الانتخابات و"كنخلي المكتاب يدير يدو"
    مفتاح الخير: لا يمكن تقييم الأعمال الرمضانية في وقت وجيز
    هل الادمان على الانترنيت عند الشباب كالادمان على المخدرات ؟
    تعـريب المغرب : من الأمازيغية إلى العربية إلى الدارجة..