• En
  • Fr /
  • Es /






  • أضيف في 15 يونيو 2015 الساعة 52 : 00

    حدث مأساوي (الفصل الأول)


    بداية الحكاية من مدينة الألفية " وجدة " ومنزل كبير يشهد على هذه الأسطر التي ستحبك خيوطها في في حكايات ومرويات.

    أكبر الاحتفالات وأجمها قضيتها في تلك الأيام التي عشتها منذ وصولي لمدينة وجدة لمتابعة دراستي بمعهد الصحافة وعلوم الإعلام، عند وصولي إلى المنزل الذي سأقطن به استقبلني جماعة من الشبان منهم الطويل والقصير، ألقوا على التحية، وتعرفوا علي وتعرفت عليهم.

    وهكذا بدأت دواليب الأيام تسير، ففي الأسابيع الأولى لي معهم بدأ كل واحد منهم يكشف عن شخصيته، كانت تبدو عليهم الجدية وحب العمل، إنهم شبان يحبون الدراسة.

    فمن الشبان الذين كنت أرتاح لهم كثيرا: إدريس ومحمد

    فمحمد كان ملقبا ب " القايد " قصير القامة وذو عضلات مفتولة ووجه حسن، ويستخدم في لغته بعض الالفاظ الرديئة " كلام الشارع".

    أما إدريس فقد كان ربعه القامة وذو صوت خافت ووسيم وأنيق الهندام.

    فهذين الشخصين في حضورهما كان يختفي القلق واليأس، وأشعر أن قدمي ثابتتان على أرض الحياة الواقعية. ومع هذا كله لم أكن أقاوم مطلقا حب الاستطلاع الذي كان يتملكني لاستكشاف حياتهما.

    لقد زرعا بداخلي الأمل الأبدي والتفاؤل ومعنى الحياة ، إلى جانب هذين الأخيرين كان ثمة اخرون يقطنون معي بنفس فشاب  الذي كان يحوي 4 غرف وصالونا وبهوا ثم حماما ،وهم عبد الصمد وسفيان وعبد الهادي وكلهم من مدينة الراشدية ، فعبد الصمد كان له عالمه الخاص وقد كان مختلفا وخفيف الحركة وذو صوت مرتفع وطويل القامة ، أما سفيان فذو بشرة سمراء وشهم وخلوق ومحبا للعمل ومتواضع كثيرا، أما عبد الهادي فشاب خلوق وطموح وطويل القامة .

    ومن الملاحظات التي كنت أسجلها هي أن معظم الزائرين الذين كانوا يتوافدون على المنزل (أصدقائهم) كانوا يأتون خفافا لا يحملون سوى محفظة سوداء على الكتف، وعلى الرغم من أن زياراتهم كانت تتم دون سابق موعد إلا أنهم كانوا ينتظرون دائما تناول وجبة الغذاء باستثناء البعض.

    كما لا يجب أن أنسى الشاب الفلسطيني الوسيم" امحمد ابو بسام " (بعثة طلابية إلى المغرب) الذي كان يتردد على المنزل بين الفينة والأخرى، ولأنه كان يحس بالغربة كان يعتبرنا نحن عائلته الثانية بالمغرب، أتذكر جيدا عندما دخل إلى المطبخ في إحدى الليالي التي اشتد فيها الزمهرير وأعد لنا طبقا على طريقته الفلسطينية الخاصة يدعى "المقلوبة" وهي أكلة تتكون من الأرز والباذنجان والبطاطا المقلية بالإضافة إلى بعض الخضروات الأخرى والتوابل.

    وفي إطار اخر من خلال ملاحظاتي المتواصلة تبين لي أن في تمام الثامنة والنصف من كل صباح يستيقظ الكل وتبدأ الحركة حركة غير عادية بداخل المنزل صوت غسل الأواني إلقاء التحية (صباح الخير)، التناوب على المرحاض، تحضير الشاي أو القهوة، وبعد برهة يخيم على المنزل السكوت والهدوء التام، لأن كلهم ذهبوا إلى مقر دراستهم فمنهم من يدرس الطب ومنهم من يدرس السوسيولوجيا .

    وفي تمام الحادية عشر تتم عودتهم إلى المنزل لتحضير وجبة الغذاء، فكنت أشاركهم في تحضيرها، ولأنني كنت قليل الأكل ووقتي لا يسمح لي بالجلوس معهم على نفس المائدة ومشاركتهم وجبة الغذاء كانوا يتفوهون عني بأشياء كثيرة

    وكل ماكنت أقوله لهم كانوا يعتبرونه أكاذيب كبرى و بالخصوص كل ما كان متعلقا باختصاصي "الصحافة " دون أن يفكروا أن جل قصصي التي كنت أحكيها لهم لم تكن سوى مقاطع من الحياة اليومية لما أشاهده في الشارع والسوق والأزقة ...إخ ، وأن كلها كان حقيقة وليس من نسج الخيال وأنا كنت أعاجها أكثر جاذبية بإضافة تفصيلات ليلتفتون إلي عندما أكون متحدثا إليهم .

    وعلمت بعد ذلك بأشهر أن صديقي مراد المتخصص في شعبة السوسيولوجيا كان الوحيد المدافع عني ، معلنا أسبابا علمية بقوله : " أكاذيب عادل علامة على موهبة كبيرة ." مرت أشهر وتطبعت بالحياة الجماعية .

    كنت أقضي وقتي في غالب الأحيان مع إدريس ومحمد " القايد" لتبادل أطراف الحديث في مواضيع شتى .

    وفي يوم من أيام شهر أكتوبر تغيرت مجرى الأمور وأصبحت تسير بالشكل المعاكس، نعم لأن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه، وقع ما وقع خلاف بيني وبين أحد أصدقائهم الملقب ب (طوماس)، مما جعل العلاقة تتدهور معهم، فبدأوا يعاملونني بطرق أخرى وبنظرات تحمل الكثير من علامات الاستفهام والحيرة، أحسست أنداك أنه انكسرت جناحاي، وتوقف العالم من حولي.

    استمرت الأمور على حالها وتعاقبت الأيام على بعضها، إلى أن تردد على المنزل الشاب الفلسطيني الذي كان يلاحظ التفاهم الذي كان بيننا والعلاقة الوطيدة التي كانت تجمعنا، فبدا يتساءل عن السبب الذي جعل الأمور تتأزم إلى هذا الحد

    نعم: سأل فكان له الجواب، تدخل بخيط أبيض وبمحاولات متكررة دون علمي بذلك وبمساعدة أحد أصدقائهم الذي يدعى

    (يونس) كان هذا الاخير معروف بالشهامة والفطنة وأخذ الأمور بجدية، فربما قبلوا بنصائحهما، أيام قلائل بعد ذلك بدأوا يتجاوبون معي وكأن شيئا لم يقع، فعادت الأمور إلى مجراها الطبيعي

    (إنه بالطبع حدث مأساوي)

    اليوم نحن في علافة جيدة ببعضنا البعض وأكثر ترابطا بيننا ، فبالرغم من هذا كله إستنتجت طيلة الأيام والأشهر الأولى لي معهم أنه كان لكل واحد منهم شخصية خاصة تميزه عن الآخر ، ولهم قلوب حانية ، و يعاملونني كما لو كنت أعيش في الجنة .

    أعتقد أن طريقتي في رؤية الأشياء من زاوية ثاقبة بالإضافة إلى التفكير العميق والملاحظة القوية التي كانت من بين سماتي المميزة لشخصيتي منذ نعومة أظافري، والمعروفة عني بين زملائي هي التي جعلتني أبوح بهذه الأسطر.

    نلتقي أعزائي القراء في الفصل الثاني بحول الله.


    تعليقاتكم



    شاهد أيضا
    Ce que le Maroc doit à la France
    البطل المغربي ( الحلقة الثالثة )
    البطل المغربي ( الحلقة الثانية )
    البطل المغربي ( الحلقة الأولى )
    عناد الشباب لإثبات الذات
    ما بين حبيبتي و أمي
    لا هي بالميتة فـــتـُـدفن، ولا بالحية فتركض…الصحراء المغربية
    من أنتم ؟ من أنتم ؟ السعر على طريقة القدافي
    العرس و الجنازة
    كلمة حق...