• En
  • Fr /
  • Es /






  • أضيف في 18 أبريل 2017 الساعة 10:07

    الغرافيتي.. عندما يتجسد الواقع الاجتماعي على واجهات المباني


    الغرافيتي.. عندما يتجسد الواقع الاجتماعي على واجهات المباني

    محمد بلشقر

    في الرباط كما في الدار البيضاء و مدن أخرى، ستسترعي انتباهك وانت تقوم بجولة في الشوارع والأزقة، أعمالٌ فنية ورسومات تزين واجهات المباني، ستأسرك هذه المشاهد من فن الغرافيتي الذي أصبح الطريقة الجديدة لبعض الرسامين الشباب في ترجمة تجاربهم الاجتماعية وواقعهم إلى ألوان طيفية على الجدران، ولعل أكثر ما سيجذبك وانت تحدق في هاته اللوحات الجمالية التي تتطور يوما بعد اخر، الحضور اللافت للجسد في قلب هاته الأعمال، بل لا غرابة ان كان البعض يذهب إلى حد وصفه باللغة الاولى للغرافيتي في الآونة الأخيرة.

    هي رسومات ليست كالأعمال التشكيلية المبهمة التي تستدعي بالضرورة حدا أدنى من المعرفة في مجال الفن لقراءة ما وراءها، بل على العكس تخاطبك أعمال الغرافيتي أيا كان توجهك ومستواك، هي ببساطة تعبير عن واقعك بألوان متعددة.    

    لعل الانطباع الذي تأخذه وأنت تتأمل هذه الأعمال،أنها ليست أشكالا فنية تحتوي على عناصر جمالية وقيمية فقط، بل هي أشكالٌ تولد معطى انفعاليا وثقافيا. إنها تنتقل بك من التصور العامي للجسد، ذلك الجسد في ذاته، الذي لا يراوح تضاريسه وسهوله الى علاقته بكونه. كونه القريب أولا أي الأشياء التي تؤثثه وتمنحه واجهته، وكونه البعيد ثانيا، أي موضوعات العالم التي يتفاعل داخلها.

     

     

     

    الجسد في الغرافيتي مرآة للواقع الاجتماعي والثقافي  

     

    على عكس الغرافيتي في البلدان المجاورة، فإن نظيره المغربي يهتم بالجسد  أكثر من الاهتمام  بكتابة جمل أو عبارات، إن امتدادات الجسد داخل هاته الاعمال الفنية تستدعي كل تمثلات الحياة العادية، سيحدث ان تسترعي انتباهك صورة امرأة عجوز على واجهة إحدى العمارات هي ذاتها العجوز التي في خاطرك، انها الجدة، او الجارة او العمة إنها نفسها، بتقاسيم الوجه المألوفة، أو قل التجاعيد والوجه المقطب، التي تترجم قساوة الحياة والظروف المعيشة، وأنت تُمعن النظر في الصورة،  تكاد تسمع الهمس والصراخ والعويل و ربما ان ركزت أكثر قد تلحظُ الابتسامة والضحك، وهنا بالذات نستحضر غرافيتي "السيدة العجوز المنحني ظهرها بفعل الزمن" للفنان محمد مُهيم. ينطلق بك هؤلاء الشباب من خلال استحضار الجسد في الغرافيتي، نحو وجهة واحدة هي الهوية الثقافية والاجتماعية.

    يذهب الكثير من فناني الغرافيتي في المغرب الى اعتبار استعمالات الجسد داخل أعمالهم ليست أبدا بالاعتباطية، وان القيمة المضافة للجسد في أغلب هاته اللوحات تكمن في كونه أولا واقعة اجتماعية وثقافية، فهو يرسل دلالاته باعتباره حجما انسانيا. وبالتالي ف لا يمكن أن يدرك إلا من خلال استعماله في مثل هذه الأعمال الفنية.

     

     

    الغرافيتي المغربي بين الموجود والمرغوب 

    لم يكن يونس ذو التسعة عشر ربيعا، الوحيد من بين رسامي الغرافيتي الذي أقر بالإنحسار الذي يشهده هذا المجال في المغرب والمضايقات المستمرة التي يتعرض لها الفنانون الشباب، رغم نبل الرسالة التي يحملها فنهم.

    "بزاف ديال الشباب كي بعدوا من الدومين غي بسبب المضايقات المتكررة "هكذا يجيب يونس بعبارات متثاقلة يجيب يونس عن أوضاع رسامي الغرافيتي، بالقول ان اوضاع الشباب الممارسين للجرافيتي وفنون الشارع غير جيدة، فهم يشتغلون في شروط صعبة ونادرا ما تقابل اعمالهم بالترحيب من طرف المسؤولين عن الفضاءات العمومية. فرسم جرافيتي داخل الفضاء العام ليس بتلك السهولة التي يعتقد البعض يتابع يونس.

    يبقى فن الغرافيتي بالنسبة لرساميه في المغرب مجالا للتعبير بكل حرية عما يفكرون فيه، عن الرسائل التي يريدون إيصالها أو رسم وجوه يعرفونها أو يجهلونها، كما كان الحال في "صباغة باغا" وهي المبادرة التي شهدها مهرجان البولفار للسنة الماضية، عندما اجتمع فنانو جرافيتي مغاربة وإسبان بارزون، بمساعدة بعض شباب "المدينة القديمة"، وقدموا عرضا بصريا، زينوا به بعض أزقة "المدينة القديمة"للدار البيضاء. وبرعوا في تصوير وجوه من الحياة اليومية، كجرافيتي "السيدة العجوز المنحني ظهرها بفعل الزمن" للفنان محمد مُهيم، وآخر لفتيات توحي ملامحهن الجميلة وزيهن بانتمائهن للمناطق الجبلية المنسية، للفنان موران بلحسن بالتعاون مع فنان إسباني. وكان هناك جرافيتي آخر مثير للاهتمام وهو "قط طيار" للفنان محمد كريم الشهير ب "عوينة"

     

    أحمد الشراك.. الغرافيتي لغة الصمت الحكيم 

    في معرض حديثه عن اليات اشتغال الغرافيتي، يقول احمد الشراك أستاذ علم الاجتماع بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، والمتخصص في دراسة الغرافيتي، إن هذا النوع من الفنون يعكس التعبيرات الأيدولوجية الصامتة، انطلاقا من أركيولوجية الصمت كما ذهب الى ذلك الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو

    يتابع الشراك قائلا، ان الغرافيتي يستعمل مجموعة من الوسائل من أجل الظهور والإظهار، خاصة استعمال قنينة الصباغة التي تكسو مساحة واسعة من الجدران في لحظة زمنية قصيرة، أكثر من ذلك فإن هذه الوسائل تعمل على ابراز الغرافيتي لتيسير الذاكرة البصرية.

    أما على صعيد الفضاء يقول الشراك ان الغرافيتي يكسو كل الفضاءات بما في ذلك الفضاءات الرئيسية كالشوارع الرئيسية في المدن وعلى أجمل الواجهات والمباني من اجل لفت الانتباه. إن الصراخ سمة من السمات الاساسية للغرافيتي. انه فن يعبر عن الألم بالمعنى الاجتماعي والنفسي.

    الغرافيتي .. فن المجازفة

    لا يخلو فن الغرافيتي في المغرب من مخاطر فرسام الغرافيتي قد يتعرض للاعتقال في أي لحظة تتجاوزفيها تعبيراته مساحة اللعب المتاحة لهذا الفن بالمغرب، لذلك يفضل الكثير من هؤلاء توقيع أعمالهم بأسماء مجهولة، وحتى ذلك لا يجنب بعض المشاكل، ف ضربة طلاء من السلطات يقول أحد الرسامين قد تكون كافية لطمس كل شيء.

     

     


    تعليقاتكم



    شاهد أيضا
    معرض الخط العربي بمؤسسة مسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء
    شواطئ خاصة بالنساء في الجزائر.. هربا من التحرش فقط؟
    ما المرتقب تدبيره لتفادي فاجعة إنسانية شبيهة ب»حادث بوركون»؟
    رسالة عاجلة إلى الملك من سكان المدينة القديمة للدار البيضاء ...
    أمهات عازبات: أو قصة أمومة من نوع خاص
    الأفارقة بالمغرب بين التهميش والمعاناة من العنصرية
    " الفراشة "عندما يقود الفقر إلى احتلال الملك العمومي
    أعداء الشمس..وجوههم المنقطة , وعيونهم الذابلة, تخفي ألف قصة من الألم والحزن